سلسلة روائع الكائنات الدقيقة
عالَم واسع غيرُ مرئي، لم نكن نعرف عنه شيئاً تقريباً قبل 100 عام. ومنذ اكتشاف هذه المخلوقات الدقيقة، لم تتوقف عن إذهال البشر بقدراتها المتنوعة والرائعة، والتي مكّنتها من استعمار معظم البيئات وأداء أدوارها المحورية على كوكب الأرض. كما أنها فتحت شهية البشر لترويضها والحصول على كنوزها المختلفة. في هذه السلسلة من المقالات، سنتعرض لمجموعات متنوعة من البكتيريا والكائنات الدقيقة ذات قدرات خاصة تميزها وتجعلها محطَّ الاهتمام والدراسة.
"التوكسوبلازما" طفيل يمكنه السيطرة على الدماغ
هل بالإمكان تخيّل محامٍ يقف في المحكمة مدافعاً عن قاتل بقوله: "إن القاتل لا يدرك أفعاله فهو تحت سيطرة كاملة لطفيل التوكسوبلازما" وبالتالي يطلب له
عند إصابة الأشخاص الأصحاء بعدوى التوكسوبلازما غالباً لا يصاحب ذلك ظهور للأعراض وذلك لقدرة أجهزتهم المناعية على منع الطفيل من التسبب بالمرض، وفي حال ظهرت أية أعراض، فإنها تكون خفيفة وشبيهة بأعراض الإنفلونزا. أما بالنسبة للرضّع الذين يولدون لأمهات مصابات، فقد يعانون من فقدان السمع، وتضخم الكبد والطحال، واصفرار الجلد، والإعاقة العقلية، والعمى. وعن الأشخاص الذين يعانون من ضعف في أجهزتهم المناعية، قد يسبب لهم داء المقوسات بعض المضاعفات الخطيرة مثل النوبات، ومشاكل الرئة، والتهاب الدماغ. وتشير التقديرات إلى أن 22.5% من سكان الولايات المتحدة من هم فوق سن الـ 12 مصابون بطفيل التوكسوبلازما، وفي البلدان الأخرى، تتفاوت معدلات الإصابة بشكل كبير، فتتراوح من 30% إلى 95%.
عادة ما يتم تشخيص داء المقوسات من خلال الاختبارات المصلية التي تكشف عن وجود الأجسام المضادة للطفيل، كما يمكن إجراء التشخيص من خلال الملاحظة المباشرة للطفيل في الأنسجة المصبوغة وغيرها من الخزعات، ويمكن كذلك عزل الطفيل من الدم أو سوائل الجسم الأخرى مثل السائل النخاعي
كيفية يتلاعب طفيل التوكسوبلازما بالدماغ
لأن طفيل التوكسوبلازما لا يستطيع أن يتكاثر جنسياً إلا في أمعاء القطط، كان عليه أن يخوض حرب البقاء، فهو يستخدم حيلة ذكية ليستمر في الانتقال بين القطط، مستخدماً القوارض كعائل وسيط. فقد سجّل عدد من الدراسات نجاحاً لطفيل التوكسوبلازما في تغيير سلوك الفئران المصابة، وجعلها تفقد خوفها الفطري من القطط، ليس هذا فحسب، بل أصبحت تنجذب لرائحة بول القطط وبذلك يسهل على القطط افتراسها. وتبين أن هذا الطفيل المجهري الدقيق، يقوم بالتحوصل في أنسجة الدماغ، ويمكنه العبث بمستويات إطلاق الدوبامين أو إحداث تغيير في مستقبلاته، فيؤثر على السلوك ويغير من مشاعر الخوف والقلق الطبعيين.
ملايين من البشر مصابون بهذا الطفيل
(دكتوراة في الأحياء الدقيقة، الجامعة الإسلامية في غزة)
البريد الإلكتروني للكاتب: elmanama_144@yahoo.com البريد الإلكتروني للكاتبة: rawaaan10001@gmail.com