منظمة المجتمع العلمي العربي
العودة للإصدارات

سرّ فهود مُحنطة في كهوف شمال السعودية

الجزيرة العربية موطن قديم للفهود، وإعادتها ممكنة

الصغير محمد الغربي · صحفي علمي
2026-04-27
سرّ فهود مُحنطة في كهوف شمال السعودية

في منطقة عرعر شمال المملكة العربية السعودية، احتفظت شبكة من الكهوف الجوفية بسرّ مذهل لآلاف السنين. هناك، وتحت طبقات من الرواسب الجافة، ظلت بقايا فهود قديمة، يعود أقدمها إلى أربعة آلاف عام، محفوظة طبيعيًا إلى أن عثر عليها فريق من علماء الحياة البرية بالصدفة خلال مسح روتيني للكهوف عام 2022.

هذا الاكتشاف، الذي يُعدّ من أهم الاكتشافات في علم الحفريات والحفاظ على البيئة في تاريخ شبه الجزيرة العربية الحديث، أظهر أن الجزيرة العربية كانت موطنًا للفهود منذ آلاف السنين، وإلى حدّ وقت قريب، وأن إعادة توطينها في الحياة البرية ممكنة.

في دراسة علمية جديدة نُشرت في دورية "Communications Earth & Environment"، قام باحثون من المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية السعودي وجامعتي الملك عبد الله والملك سعود بفحص بقايا سبعة فهود مُحنّطة طبيعيًا، بالإضافة إلى الهياكل العظمية لأكثر من 50 فردًا آخر عُثر عليها في خمسة كهوف بالقرب من مدينة عرعر. واستخدم الفريق في عملية الفحص طرقًا مختلفة تجمع بين التأريخ بالكربون المشع، وعلم الجينوم القديم، وتحليل الجمجمة بالأشعة السينية، وإعادة بناء البيئة، لتكوين صورة متكاملة عن نوع اختفى من شبه الجزيرة العربية، وللتساؤل عمّا إذا كان ممكنًا إعادته إلى هذه البيئة يومًا ما.

موقع الكهوف التي عثر فيها على الهايكل العظمية لفهود شمال السعةدية (المصدر: الدراسة)

 

انحسار حادّ

بحسب الباحثين، فإن المجال الجغرافي الذي كانت تعيش فيه هذه الفهود منذ آلاف السنين شهد تراجعًا لافتًا. فقد كانت الفهود تجوب معظم المناطق غير المطيرة الممتدة من أفريقيا إلى غرب آسيا وجنوبها، بما في ذلك المناطق الممتدة من شبه الجزيرة العربية إلى شبه القارة الهندية. لكن هذه الكائنات لا تتواجد اليوم سوى في 9% من نطاقها التاريخي. وقد كان الانقراض في آسيا كارثيًا بشكل خاص، إذ تقلص نطاق انتشار هذا النوع في آسيا بنحو 98%، وأصبح الفهد الآسيوي (A. j. venaticus) — الذي كان يُعتقد تاريخيًا أنه النوع الفرعي الوحيد الموجود في المملكة العربية السعودية — مهددًا بالانقراض بشكل خطير، حيث يُقدّر العلماء عدد أفراده المتبقين بنحو 50 إلى 70 فردًا فقط، ضمن مجموعة معزولة في إيران.

في شبه الجزيرة العربية نفسها، يعود آخر رصد مؤكد لفهد بري إلى عام 1977، عندما أُطلقت النار على أنثى بالغة من قبل صياد بالقرب من ظفار في سلطنة عُمان. ومنذ ذلك الحين، اعتبر العلماء هذا النوع منقرضًا محليًا في جميع أنحاء المنطقة. ويعود اختفاؤه إلى سلسلة من العوامل المألوفة، مثل تدمير الموائل، ونقص الفرائس، والصراع بين الإنسان والحياة البرية، بالإضافة إلى الصيد غير المنظم والتجارة غير المشروعة بالفهود كحيوانات أليفة أو رفقاء صيد.

 أرشيف غير متوقع

بين عامي 2022 و2023، أجرى باحثون من المركز الوطني للحياة الفطرية في المملكة العربية السعودية مسحًا لـ 134 كهفًا تحت الأرض في منطقة تبلغ مساحتها 1211 كيلومترًا مربعًا من الصحراء العربية. أظهر المسح أن تسعة من هذه الكهوف احتوت على بقايا ثدييات كبيرة، منها خمسة اكتُشفت داخلها عظام أو مومياوات لفهود، بإجمالي 61 عينة، منها 7 مومياوات، و32 هيكلًا عظميًا، و22 جمجمة. وتركزت الغالبية العظمى منها — 67% — في كهف واحد يمكن الوصول إليه عبر حفرة عميقة يبلغ عمقها 16 مترًا.

وبحسب المؤلفين، فإن الظروف السائدة داخل الكهوف ساعدت في هذا الحفظ الاستثنائي للهياكل المُحنّطة، إذ تعيق هذه البيئات التحلل البكتيري للجثث بفضل الجفاف المستمر ودرجات الحرارة الثابتة، مما يؤدي إلى تحنيطها طبيعيًا. عند مداخل الكهوف الخمسة، بلغ متوسط درجة الحرارة 35.5 درجة مئوية مع رطوبة نسبية تبلغ حوالي 22%، لكن الأجواء في أعماق الكهوف كانت أكثر برودة وأقل رطوبة. وهذه الظروف كانت تحديدًا البيئة المناخية المحلية التي تُجفف الأنسجة قبل أن يبدأ التحلل. وقد مكنت هذه الظروف الاستثنائية من استخلاص الحمض النووي الجينومي القديم منها بنجاح، وهو إنجاز علمي ذو آثار عملية مهمة.

 قراءة الزمن في العظام

كشف التأريخ بالكربون المشع لعينات من مومياءين وخمسة هياكل عظمية أن أقدم عينة منها — وهي هيكل عظمي — يعود إلى حوالي 4223 عامًا (العصر البرونزي). وتغطي العينات الأخرى مراحل مختلفة من التاريخ، يعود أحدثها إلى حوالي 127 عامًا فقط، مما يعني أنها نفقت على الأرجح في وقت ما من القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين.

يشير هذا الانتشار الزمني، وفق المؤلفين، إلى أن الفهود حافظت على وجود طويل الأمد في شمال المملكة العربية السعودية، حيث سكنت هذه الكهوف، أو على الأقل نفقت فيها أو بالقرب منها، على مدى آلاف السنين من التغيرات المناخية والبيئية.

من ناحية أخرى، كشف التحليل الإشعاعي لعشرين جمجمة كاملة عُثر عليها معًا في كهف واحد عن وجود أربعة عشر فهدًا يافعًا تتراوح أعمارها بين 18 و24 شهرًا، وستة فهود بالغة يزيد عمرها عن 24 شهرًا، وتسعة أشبال أصغر من 18 شهرًا. ويشير وجود فئات عمرية متعددة، إلى جانب العدد المنخفض نسبيًا لبقايا الحيوانات المفترسة في معظم الكهوف، إلى أن هذه الحيوانات كانت تستخدم هذه الكهوف كمواقع للتكاثر، وهو سلوك لم يُرصده العلماء سابقًا.

صورة لمومياء فهد (يمين) وصور إشعاعية لأجزاء من الهياكل العظمية التي فحصها الباحثون (يسار) (المصدر: الدراسة)

 

نوعان فرعيان، وليس نوعًا واحدًا

تُعدّ النتائج التي استخلصها الباحثون من التحليلات الجينومية لهذه البقايا العظمية من أبرز ما توصلت إليه الدراسة. فقد نجح الباحثون في الحصول على تسلسل الجينوم الكامل لبقايا ثلاثة أفراد من الفهود تعود إلى حقبات مختلفة، منها مومياء ترجع إلى فترة حديثة، وهيكل عظمي يعود تاريخه إلى حوالي 2904 أعوام، وهيكل آخر يعود إلى الحقبة الأقدم. وباستخدام مزيج من تحليل المكونات الرئيسية، وإعادة بناء الشجرة التطورية، ونمذجة التهجين، قارن الفريق هذه الجينومات القديمة بمجموعة بيانات مرجعية تضم 44 فردًا من الفهود الحديثة، يمثلون جميع الأنواع الفرعية المعروفة.

النتائج التي توصل إليها العلماء فندت الافتراض السائد بأن الفهد الآسيوي (A. j. venaticus) وحده هو الذي سكن شبه الجزيرة العربية. ولئن أثبت تحليل الحمض النووي الميتوكوندري ارتباط المومياء (التي تعود للفترة الحديثة) بالفهد الآسيوي، فإن العينتين اللتين تعودان إلى فترات أقدم كشفتا عن قصة مختلفة. فقد أظهرت بقايا الهياكل العظمية، التي يعود تاريخها إلى ما يقارب 3000 و4200 سنة، صلة جينومية أوثق بالفهد الأفريقي الشمالي الغربي (A. j. hecki)، مما قد يشير إلى أنماط تاريخية للهجرة والتزاوج عبر ما يُعرف الآن بالممر الصحراوي العربي.

 ماذا يعني هذا لإعادة التوطين؟

يقول مؤلفو الدراسة إنه لطالما كان السؤال المحوري لأي عملية إعادة توطين للفهد هو: أي سلالة فرعية يجب استخدامها؟ ونظرًا للخطر الشديد الذي يهدد الفهد الآسيوي وقلة أعداده المتبقية، فإن الحصول على أفراد لإعادة التوطين منه سيكون أمرًا بالغ الصعوبة من الناحيتين الأخلاقية والعملية. إلا أن الأدلة الجينومية الجديدة تغيّر مسار هذا النقاش، من خلال إثبات أن الفهد الأفريقي الشمالي الغربي كان موجودًا تاريخيًا في شبه الجزيرة العربية خلال المراحل القديمة للاستيطان الموثقة في سجلات الكهوف.

يرى الباحثون أن جهود إعادة التوطين يمكن أن تستفيد من هذا النوع الفرعي الأكثر عددًا كمصدر جيني، أو أن تنظر في نهج مدمج يعكس تاريخ السلالات المختلطة الذي تكشفه البيانات.

إلى جانب ذلك، يشير المؤلفون إلى أن بيئات الكهوف في المناطق القاحلة تُعدّ بمثابة كبسولات زمنية بيولوجية وأرشيفًا طبيعيًا لتاريخ الحيوانات يسبق أي تدوين بشري منهجي. وقد عثرت مسوحات سابقة لنفس شبكات الكهوف في شمال المملكة العربية السعودية على بقايا ذئاب وضباع مخططة، ولكن لم يُعثر على أي فهود، ويمكن للمسوحات المستقبلية أن تستند إلى هذا النموذج لإجراء بحث منهجي عن بقايا مماثلة غنية بالمعلومات في جميع أنحاء المنطقة.

.تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com

مشاركة: تحميل PDF
76 مشاهدة