يواجه قطاع البناء العالمي في العقود الأخيرة العديد من المشكلات البيئية، نتيجة للإفراط في استخدام الإسمنت والموارد الطبيعية غير المتجددة، مثل الركام (الرمل والحصى). إنتاج هذه المواد يتسبب في انبعاث ثاني أكسيد الكربون، حيث يطلق كل طن من الإسمنت المستخدم في البناء أكثر من 900 كيلوغرام من هذا الغاز في البيئة، مما يساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري. كما يعد هذا القطاع من القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، حيث يستهلك أكثر من 40% من الطاقة العالمية، مع تزايد المخاوف بشأن التأثير البيئي وتغير المناخ.
في السنوات الأخيرة أظهرت العديد من الدراسات أنه يمكن استخدام معظم مخلفات الهدم من البناء كبديل للأسمنت والرمل والحصى، لإنتاج خرسانة خفيفة الوزن. وتشمل هذه المخلفات حطام الطوب الطيني المحروق التي تتشابه خصائصه مع خصائص الأسمنت.
في دراسة مراجعة جديدة نشرت في دورية "أوبن سيراميكس" العلمية، أجرى فريق الباحثين من جامعة محمد الخامس بالرباط ومعهد الدراسات السياسية والاقتصادية في باريس، تحليلا ببليومتريا شمل 186 مقالة علمية نشرت بين عامي 2014 و 2024،. ويكشف التحليل عما توصلت إليه الدراسات العلمية من إمكانات واعدة لنفايات الطوب المحروق لتكون موردا معدنيا استراتيجيا في قطاع البناء في المستقبل.
تاريخ طويل من استخدام الطوب المحروق وطلب متنام عليه
يعدّ الطوب من أقدم مواد البناء المصنّعة في العالم. ففي وقت مبكر يعود إلى 14 ألف عام قبل الميلاد، عثر العلماء على طوب طيني مشكّل يدويا ومجفف بالشمس في الطبقات السفلى من رواسب النيل في مصر. كما كان الطين أهم المواد الخام في بلاد ما بين النهرين القديمة، حيث بنيت معظم المباني آنذاك من الطوب الطيني. ويعود أقدم استخدام مسجّل للطوب إلى مدينة أور القديمة (العراق)، التي بنيت بالطوب اللبن حوالي 4 آلاف عام قبل الميلاد، وإلى أسوار أريحا الأولى حوالي عام 8000 قبل الميلاد. وابتداء من عام 5000 قبل الميلاد، عثر العلماء على أدلة تثبت تمكن الانسان القديم من تقنية حفظ الطوب الطيني عن طريق حرقه. وقد تطوّر استخدام الطوب المحروق لاحقا من قبل معظم الحضارات عبر العصور في البناء نظرًا لخصائصه الفيزيائية والهندسية المتميزة.
اليوم، يصل الإنتاج العالمي من الطوب الطيني المحروق إلى ما بين 2.18 و3 جيجا طن سنويا، 87% من هذا الانتاج تقوم به في آسيا (خاصة الصين والهند وباكستان). في الوقت نفسه، تعدّ مخلفات البناء والهدم أكبر مصدر للنفايات على مستوى العالم، حيث يشكّل الطوب والسيراميك والبلاط المهمل بين 30% و 45% من إجمالي حجم هذه المخلفات التي ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات سنويا، مما يؤدي إلى استنزاف المساحات ويساهم في نقص المواد الخام.
للحدّ من هذه النفايات وتقليل الاعتماد على الطين الخام، أجرى العلماء أبحاثا مكثفة في السنوات الأخيرة حول إعادة تدوير هذه النفايات لاستخدامها في البناء وفي إنتاج الطوب الطيني المحروق الجديد. تشمل المواد الشائعة التي جرى اختبارها مخلفات البناء بما في ذلك ركام الخرسانة المعاد تدويره والطوب المحروق. وأثبتت الدراسات أن استخدام نفايات الطوب المحروق غالبا ما تحسّن العزل الحراري للبناء وتقلل من وزن المواد المستخدمة، وتخفّض الطاقة اللازمة لإنتاج مواد البناء.

تطور عدد المنشورات العلمية حول إعادة تدوير الطوب المحروق بين عامي 2014 و 2024
(المصدر: دراسة المراجعة)
الإنتاج العلمي العالمي حول إعادة تدوير الطوب في البناء ومساهمة الدول العربية فيه
تكشف دراسة المراجعة الجديدة عن تزايد وتيرة الانتاج العلمي العالمي الذي يتناول إعادة تدوير نفايات الطوب المحروق لاستخدامها في البناء. ففي عام 2014، لم يكن عدد المقالات المنشورة سنويا والتي تناولت هذا الموضوع يتجاوز عدد أصابع اليد، لكنه قفز إلى أكثر من خمسين منشورا سنويا في عام 2024. هذه الطفرة في الانتاج تؤكد ما أطلق عليه المؤلفون "الانتقال من موضوع متخصص إلى مجال بحثي منظم مدعوم بعوامل بيئية واقتصادية وتنظيمية متقاربة". ويبرز هذا التسارع في نشر الأوراق العلمية بشكل خاص بعد عام 2020، وهو عتبة يربطها الباحثون مباشرة بتعزيز السياسات الدولية المتعلقة بحساب البصمة الكربونية والتصميم البيئي والإدارة المستدامة لنفايات البناء والهدم. وقد سجل عامي 2023 و2024 أعلى معدلات النشر خلال الفترة المدروسة بأكملها.
على مستوى الدول، تهيمن الصين والهند بلا منازع على النصيب الأوفر من المنشورات في هذا المجال، مدفوعتين بعوامل حددها الباحثون بدقة وهي الإنتاج والاستهلاك الهائلان للطوب الطيني، مما يولّد كميات هائلة من النفايات، إلى جانب عامل السياسات الوطنية التي تشجع إعادة التدوير. وتشكل الدول الأوروبية متمثلة خاصة في ألمانيا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، مركزا ثانيا هاما للمنشورات العلمية حول هذا الموضوع، مع تركيز قوي على تقييمات دورة الحياة واستراتيجيات الاقتصاد الدائري.

توزيع المنشورات العلمية حسب الدول (المصدر: دراسة المراجعة)
وتظهر نتائج هذه الدراسة مساهمة بعض الدول العربية مثل الجزائر (التي احتلت المرتبة الثانية بعد الصين في عدد المنشورات) ومصر (المرتبة الخامسة) بالإضافة ضافة إلى العراق والمغرب والمملكة العربية السعودية، في هذا المجال، وإن كان حجم مساهماتها لا يزال متواضعا مقارنة بآسيا وأوروبا. وتناولت منشورات هذه الدول متطلبات إقليمية محددة للغاية مثل استغلال الموارد المعدنية المحلية، وتطوير حلول ملائمة للمناخات الحارة والجافة، وتحسين الأداء الحراري والرطوبي، مما يبرز رغبتها في انتاج حلول مبتكرة وعدم الاكتفاء باستيرادها.
عقد من التطور التقني
تظهر الدراسة أن المواضيع التي عالجتها المنشورات العلمية تطورت خلال حقبة الدراسة من البحث عن كيفية إعادة استخدام الطوب المكسّر في الخرسانة، إلى مشاريع علمية متعددة الأبعاد. فقد ركّزت الدراسات التي أُجريت بين عامي 2014 و2017، بشكل أساسي على استبدال الركام الطبيعي بركام معاد تدويره من الطوب، مع تقييم القوة الميكانيكية الأساسية. ويظهر، على سبيل المثال، العمل الرائد الذي قام به فريق من الباحثين المصريين عام 2014 في مجلة الإسكندرية الهندسية، (والذي يعدّ من بين أكثر المقالات استشهادا في المجموعة بأكثر من 220 استشهادا عالميا)، أن هذا الاستبدال "ممكن تقنيا، على الرغم من المسامية العالية التي تستلزم تعديلات على نسبة الماء من المادة الرابطة".
في المرحة الثانية بدأ الباحثون بدراسة غبار الطوب ليس فقط كمادة خاملة، بل كمادة تفاعلية محتملة قادرة على التفاعل كيميائيا مع الجير المنطلق أثناء عملية إماهة الأسمنت لتكوين مركبات إضافية تزيد من قوته. واستكشفت بعض الدراسات التي صدرت بداية من عام 2019 النشاط التفاعلي لغبار الطوب في معاجين الأسمنت، وأظهرت أن استبدال ما بين 10 إلى 20% من الأسمنت بغبار الطوب "يحافظ على مستويات قوة مرضية مع تقليل الأثر البيئي للخرسانة". وأثبتت دراسات أخرى في عام 2024 أنه يمكن لاستبدال ما يصل إلى 30% من الأسمنت بالطوب المسحوق "لتحسين المقاومة الحرارية للملاط عن طريق زيادة الحرارة النوعية، مع انخفاض بنسبة 9% في الموصلية الحرارية وزيادة بنسبة 11% في الموصلية الحرارية".
ابتداء من عام 2021، دخلت الأبحاث ما يسميه الباحثون "مرحلة النضج والتحول"، والتي تميزت بظهور الجيوبوليمرات (نوع حديث من الخرسانة لا يعتمد على الأسمنت البورتلاندي التقليدي، وإنما يُصنع من مواد غنية بالسيليكا والألومينا)، والخرسانة فائقة الأداء (UHPC)، والمركبات الليفية. وأظهرت إحدى الدراسات أن الطوب المسحوق الممزوج بخبث أفران الصهر يمكن أن ينتج جيوبوليمرات "بخصائص ميكانيكية مماثلة للمواد الرابطة التقليدية".
وأكدت دراسة أخرى نشرت عام 2023 إمكانية دمج الطوب المسحوق المعاد تدويره في الخرسانة فائقة الأداء شريطة تحسين حجم الجسيمات ونسبة المسحوق إلى المادة الرابطة، مع "الحصول على أفضل مقاومة ميكانيكية بعد 28 يوما عند معدل استبدال 10%". وأظهرت دراسة صادرة عام 2024 إمكانية استخدام المسحوق الدقيق لمخلفات البناء، بما في ذلك الطوب، في الملاط المبثوق للعناصر المطبوعة ثلاثية الأبعاد.
آفاق واعدة رغم العقبات المستمرة
إلى جانب ذلك، رصدت هذه المراجعة القيود الهيكلية التي تعيق الانتقال إلى النطاق الصناعي. وتتمثل أولى هذه القيود في التباين في مكونات الطوب المعاد تدويره وخصائصه الفيزيائية والكيميائية. إذ يختلف تركيبه الكيميائي ومساميته ودرجة حرارة حرقه الأصلية اختلافا كبيرا باختلاف المنطقة وعمليات التصنيع، مما يؤدي إلى "تشتت كبير في النتائج التجريبية ويعقد وضع توصيات عالمية"، وفقا للمؤلفين. ومما يزيد من هذا التباين في المواد، الغياب التام للبروتوكولات الموحدة، فمعدلات الاستبدال وظروف المعالجة وطرق الطحن ونسب الماء تختلف اختلافا كبيرا من دراسة إلى أخرى، مما يجعل من الصعب تجميع النتائج بدقة.
أما العقبة الثالثة فتتمثل في ندرة الدراسات طويلة الأجل أو الدراسات التي تجرى في الواقع العملي، حيث تعتمد معظم الأبحاث المتاحة على اختبارات معملية قصيرة الأجل. إحدى هذه الدراسات القليلة صدرت عام 2021 وقامت باختبار الخرسانة المعاد تدويرها في ظل دورات تجميد وذوبان مجتمعة وتأثيرات الكلوريد، وأظهرت انخفاضا طفيفا في الأداء بنسبة 7.9% مقارنة بالخرسانة المرجعية. وكشفت نتائج دراسة أجريت عام 2023، أن الخرسانة فائقة الأداء المدمجة بنسبة 30% من مسحوق الطوب المعاد تدويره "تحافظ على مقاومتها للضغط ومعامل مرونتها الديناميكي دون تغيير يذكر حتى بعد 150 دورة تجميد وذوبان"
واقترحت دراسة أجريت عام 2024 إدخال الذكاء الاصطناعي في المعادلة، باستخدام خوارزميات التعلم الآلي لتحسين تركيبات الخرسانة مع ركام الطوب، وهو نهج "يمكن أن يصبح أداة أساسية لتسريع تطوير المواد المستدامة ذات المحتوى العالي من بقايا الطوب"، كما يقول مؤلفو دراسة المراجعة.
لم تعد مخلفات الطوب الطيني مجرد نفايات هدم من الدرجة الثانية، بل أصبحت موردا معدنيا ثانويا ذا إمكانات هائلة، يعتمد استغلاله على نطاق واسع على التوحيد القياسي العاجل لمعدلات الاستبدال وظروف المعالجة وطرق الطحن ونسب الماء، وإنشاء شبكات محلية لجمع ومعالجة هذه المخلفات، والتزام تنظيمي بدمجها في معايير البناء المستدام.
بالنسبة للدول العربية، كما هو الحال بالنسبة للمجتمع الدولي بأسره، يكمن التحدي في تحويل عقد من الأبحاث المتفرقة إلى بنية تحتية صناعية متكاملة قادرة على استيعاب ملايين الأطنان من المخلفات وتحويلها إلى مواد بناء عالية الأداء لمباني المستقبل.