تعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين أكثر المناطق معاناة من شحّ المياه على مستوى العالم. وقد أثّر توافر المياه - أو ندرتها - بشكلٍ عميق على المجتمعات في هذه المنطقة على مدى آلاف السنين. واليوم، لا يزال الحصول على المياه يمثّل معضلة وجودية للعديد من الدول في هذه المنطقة شبه القاحلة، لا سيما في ظلّ ما تواجهه من تحديات جديدة ناجمة عن تغيّر المناخ.
ونظرا لأن المنطقة تعاني أصلا من الجفاف وقدرتها المحدودة نسبيا على تخزين المياه، فإن أي انخفاض طفيف في توافر المياه قد يؤدي إلى ندرة حادة فيها، أي عدم كفاية المياه المتاحة لتلبية احتياجات السكان والاقتصاد. ومن المتوقع أن يؤدي ازدياد تواتر وشدة حالات الجفاف المرتبطة بتغير المناخ إلى تفاقم الضغوط على جميع جوانب النشاط الاقتصادي والحياة اليومية في السنوات والعقود القادمة، بل وقد يُهدد بانعدام الأمن الغذائي والاضطرابات الاجتماعية في حالات الجفاف الشديد.
لتقديم نظرة شاملة ودقيقة على هذا الوضع، أجرى باحثون مغربيون من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، مراجعة منهجية شملت الأبحاث العلمية المنشورة بين عامي 1990 و2024 حول الجفاف في المنطقة. تؤكد هذه الدراسة المنشورة مؤخرا في دورية (Natural Hazards Research) العلمية أن الجفاف يتفاقم والأمن الغذائي للملايين من الناس من سكان المنطقة معرض للخطر، هذا في الوقت الذي لا تزال فيه الأدوات اللازمة لرصد الجفاف وآثاره غير كافية بسبب ما تعاني منه أنظمة المراقبة من نقص في البيانات وعدم كفاية شبكات جمعها وضعف أنظمة الإنذار المبكر..
أزمة مياه متفاقمة
تصنف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن المناطق التي ستعاني من آثار تغير المناخ في القرن الحادي والعشرين، لا سيما بسبب استمرار الجفاف وموجات الحرّ غير المسبوقة في تاريخها. ومع انخفاض نصيب الفرد من المياه، الذي بلغ متوسطه 819 مترا مكعبا سنويا في عام 2011، بنسبة 75% مقارنة بمستويات الخمسينيات، باتت جميع دول المنطقة تقريبا دون العتبة الحرجة، وهي الحد الأدنى لمستوى شحّ المياه الشديد، البالغة ألف متر مكعب للفرد سنويا. ومن المتوقع أن ينخفض هذا المتوسط بأكثر من 40% بحلول عام 2030، وفقا للتوقعات التي تقدمها الدراسة.
يذكّر مؤلفو الدراسة بأن الجفاف بطبيعته ظاهرة ذات أبعاد متعددة، مناخية وزراعية وهيدرولوجية واجتماعية اقتصادية، فالمنطقة تعتمد على الزراعة لتوفير جزء كبير من فرص العمل، بينما يستهلك القطاع الزراعي في المتوسط 85% من إجمالي استهلاك المياه، وهي من أعلى النسب في العالم. وعندما يضرب الجفاف، فإن آثاره لا يقتصر عادة على ضياع المحاصيل فحسب، بل قد يؤدي كذلك إلى انهيار سلسلة الغذاء بأكملها في المجتمعات المنهكة اقتصاديا واجتماعيا والتي تعاني من عدم الاستقرار السياسي كما هو الحال في اليمن وسوريا والعراق.
منهجية التشخيص التي اعتمدها الباحثون في الدراسة
في هذه الدراسة قام الباحثون بمراجعة وتحليل مجمل الأدبيات العلمية ذات الصلة المنشورة بين عامي 1990 و2024، والتي تمثل ثلاثة عقود ونصف من الإنتاج الأكاديمي العالمي حول الجفاف في المنطقة. وقاموا بتحديد المواضيع البحثية الرئيسية في الدراسات الحالية، وتحليل مؤشرات الجفاف الأكثر استخداما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتقييم نماذج التنبؤ المستخدمة. كما أجروا مقارنة بين ممارسات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتلك المتبعة في مناطق أخرى من العالم، ولا سيما في أوروبا وجنوب آسيا وأمريكا الشمالية، حيث تستخدم أنظمة إنذار مبكر وأدوات نمذجة هيدرولوجية أكثر تطورا. وسمحت هذه المقارنة بتحديد دقيق لأوجه القصور الخاصة بالمنطقة بدلا من مجرد تقديم ملاحظة عامة حول أوجه القصور.

التوزيع الجغرافي لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بناءً على عدد المنشورات
من منظور مؤشرات الجفاف، تستخدم الدراسات التي تمت مراجعتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل أساسي مؤشر هطول الأمطار المعياري (SPI) ومؤشر بالمر لشدة الجفاف (PDSI)، وهما أداتان إحصائيتان تستعملان لقياس الفرق بين هطول الأمطار المسجّل ومعدل هطول الأمطار الطبيعي خلال فترة زمنية محددة. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أنه على الرغم من توثيق هذه المؤشرات جيدا في المناطق المعتدلة، إلا أنها تواجه قيودا خطيرة في المناطق شديدة الجفاف حيث تكون بيانات هطول الأمطار التاريخية غير مكتملة، وشبكات محطات الأرصاد الجوية قليلة، والتقلبات بين السنوات شديدة للغاية. وفي هذه المناطق تحديدا، يبرز بوضوح قصور منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقارنة بمناطق مماثلة حول العالم.
قصور أنظمة الإنذار المبكر
من أبرز ما توصلت إليه هذه المراجعة المنهجية هي اكتشاف الفجوة الهائلة بين حجم المخاطر وقدرة المنطقة الفعلية على توقعها وإدارتها، وسجلت في هذا السياق "تفاوتا كبيرا في تقنيات رصد الجفاف الحديثة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نتيجة لنقص البيانات وعدم كفاية أنظمة الإنذار المبكر". واشار المؤلفون إلى أن حكومات المنطقة غالبا ما تعمل دون رؤية واضحة، ودون امتلاك الأدوات اللازمة للتنبؤ بقدوم جفاف حاد قبل حدوثه بوقت كاف وتنظيم استجابات منسقة وحماية الفئات الأكثر ضعفا، لا سيما المزارعين والرعاة الرحل والمجتمعات الريفية التي تفتقر إلى المياه النظيفة.
الدراسة أكدت أن هذا الضعف في أنظمة الإنذار المبكر لا يجب أن يستهان به خاصة وأن البيانات تشير إلى أن ظروف الجفاف قد تتفاقم بنسبة تتراوح بين 25 و35% في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظل سيناريو ارتفاع الانبعاثات، مع تركز المناطق الأكثر تضررا في المناطق الوسطى والجنوبية.

المنشورات المسجلة حسب السنوات حول الجفاف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
لاحظ الباحثون الاهتمام المتزايد من جانب المجتمع العلمي بهذه القضية في السنوات الأخيرة، حيث ازداد عدد المنشورات حول الجفاف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل ملحوظ منذ العقد الثاني من الألفية، مع تسارع لافت بعد عام 2020. غير أن هذا الاهتمام الأكاديمي لم يترجم بعد إلى تقدم عملي يضاهي ما لوحظ في أجزاء أخرى من العالم. وأشاروا إلى أن هذه أزمة لها أبعاد متغيرة، في منطقة تعاني من تفاوتات عميقة، فعلى سبيل المثال، تقوم دول الخليج التي تتمتع بموارد مالية ضخمة، بالاستثمار بكثافة في تحلية المياه وإدارة الطلب عليها، لمجابهة الجفاف وشح المياه، لكن نموذجها لا يمكن تطبيقه في بلدان أخرى مثل المغرب وتونس ومصر واليمن، حيث تختلف القيود الاقتصادية والمؤسسية.
توصيات لإدارة أفضل لأخطار الجفاف
لمجابهة تفاقم الجفاف، دعا المؤلفون إلى تطوير نظم جديدة لإدارة أخطار الجفاف تكون مصممة وفقا لخصائص المنطقة، وبالاستناد إلى أفضل الممارسات الدولية في إدارة المياه. وأكدوا على أن تعزيز القدرة على مواجهة الجفاف يتطلب من الحكومات ومؤسسات التعليم العالي والمنظمات الدولية توحيد الجهود لإنشاء شبكة متينة تُعزز تدفق المعرفة والمعلومات.
كما دعوا إلى ضرورة توجيه الجهود نحو تدريب الباحثين وصناع القرار على إتقان تقنيات التنبؤ الحديثة، ووضع سياسات لتعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية.
الدراسة أبرزت أهمية الفهم متعدد الأبعاد للمشكلة، فالجفاف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليس مجرد مسألة هطول أمطار أو درجة حرارة، بل هو أيضا مسألة إدارة المياه، والتعاون عبر الحدود في مصادر المياه المشتركة، وتكييف النظم الزراعية مع انخفاض توافر المياه هيكليا، وحماية الفئات السكانية الأكثر هشاشة.
المصادر:
- Drought trends and Challenges in the MENA region: A systematic review
.تواصل مع الكاتب: gharbis@gmail.com