منظمة المجتمع العلمي العربي
العودة للإصدارات

علماء يعزلون جزيئًا مستحيلًا من البورون والأكسجين

اكتشاف قد يعيد رسم حدود الكيمياء الحديثة

جمال مراد قيس · كاتب علمي في التقنية
2026-05-24
علماء يعزلون جزيئًا مستحيلًا من البورون والأكسجين

.

في واحدة من أكثر الدراسات الكيميائية إثارة خلال هذا العام، نجح فريق من الباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في عزل جزيء شديد التفاعل يتكوّن من البورون والأكسجين، وهو إنجاز كان يُنظر إليه لعقود طويلة باعتباره شبه مستحيل من الناحية العملية. الدراسة لم تكن مجرد نجاح تقني داخل المختبر، بل خطوة علمية قد تؤسس لفهم جديد لكيمياء العناصر الخفيفة عالية النشاط، وربما تفتح مستقبلًا أبوابًا واسعة في مجالات التحفيز الكيميائي والطاقة والتقاط الكربون.

وفي مقابلة حصرية لمنظمة المجتمع العلمي العربي، تحدث أحد الباحثين الرئيسيين المشاركين في الدراسة، وهو البروفيسور كرستوفر كوينز، أستاذ الكيمياء في معهد MIT والمتخصص في الكيمياء غير العضوية وكيمياء العناصر الرئيسية عالية التفاعل، عن الخلفيات العلمية وراء هذا الاكتشاف، والتحديات التي واجهها الفريق خلال سنوات العمل على هذا النوع من المركبات غير المستقرة.

وأشار كومينز خلال اللقاء إلى أن الفريق كان يدرك منذ البداية أن التعامل مع جزيء بهذا المستوى من النشاط الكيميائي يتطلب تصميمًا دقيقًا للغاية للبيئة الكيميائية المحيطة به، موضحًا أن الهدف لم يكن فقط إنتاج الجزيء، بل إبقاؤه مستقرًا لفترة تسمح برصده وتحليل خواصه البنيوية والإلكترونية بشكل مباشر، وهو ما نجح الفريق في تحقيقه لأول مرة.

الجزيء المكتشف، المعروف باسم “Dioxaborirane”، يتكوّن من ذرة بورون مرتبطة بذرتي أكسجين ضمن حلقة ثلاثية صغيرة للغاية. ورغم بساطة الوصف، فإن هذا النوع من البنى الكيميائية يُعد من أكثر التراكيب توترًا وعدم استقرار في الكيمياء الجزيئية، لأن الحلقة الصغيرة تفرض ضغطًا هندسيًا وإلكترونيًا كبيرًا على الروابط الكيميائية داخلها.

لفترة طويلة، اعتقد الكيميائيون أن مثل هذا الجزيء قد يوجد فقط للحظات قصيرة جدًا أثناء بعض التفاعلات الكيميائية، قبل أن ينهار أو يتفاعل مع أي مادة محيطة به. ولهذا السبب ظل وجوده الفعلي أقرب إلى “فرضية نظرية” أكثر منه مركبًا يمكن عزله ودراسته في المختبر.

لكن ما فعله فريق MIT هو تجاوز هذه الفرضية النظرية إلى واقع عملي، عبر تطوير منظومة كيميائية قادرة على حماية الجزيء مؤقتًا من التفكك السريع، ما سمح باستخدام تقنيات تحليل متقدمة لتحديد بنيته بدقة. هذا النوع من الإنجازات يُعتبر في الكيمياء الحديثة حدثًا بالغ الأهمية، لأن القدرة على “عزل” مركب غير مستقر تعني الانتقال من التخمين النظري إلى الفهم المباشر لسلوكه الكيميائي.

الأهمية الحقيقية للاكتشاف لا تكمن فقط في الجزيء نفسه، بل في السلوك الكيميائي الذي أظهره. فقد تبين أن المركب يمتلك قدرة فعالة على نقل ذرات الأكسجين إلى مركبات أخرى، وهي خاصية أساسية في العديد من العمليات الصناعية والدوائية. وتُعد تفاعلات الأكسدة من أهم العمليات المستخدمة في تصنيع الأدوية والمواد الكيميائية المتقدمة، لذلك فإن أي مركب جديد قادر على تنفيذ هذه التفاعلات بكفاءة يثير اهتمام الكيميائيين حول العالم.

الأكثر إثارة أن الباحثين لاحظوا أيضًا قدرة الجزيء على التفاعل مع ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، وهو ما يمنح الدراسة بعدًا بيئيًا محتملًا. ورغم أن التطبيقات العملية لا تزال بعيدة، فإن فهم كيفية تفاعل هذا النوع من المركبات مع الكربون قد يساعد مستقبلًا في تطوير طرق جديدة لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد مفيدة بدلًا من بقائه غازًا مسببًا للاحتباس الحراري.

ويُنظر إلى عنصر البورون منذ سنوات باعتباره عنصرًا يحمل إمكانيات كيميائية غير مستكشفة بالكامل. فعلى الرغم من استخداماته المعروفة في بعض الصناعات والمواد المتقدمة، فإن كيمياء البورون ما تزال أقل تطورًا مقارنة بكيمياء الكربون أو النيتروجين. ولهذا فإن اكتشاف مركبات جديدة تعتمد على البورون قد يقود إلى ظهور فروع كيميائية كاملة خلال العقود المقبلة.

ما يجعل هذا الإنجاز لافتًا أيضًا هو أنه يندرج ضمن ما يُعرف بـ “الكيمياء الأساسية” أو Fundamental Chemistry، وهي الأبحاث التي لا تستهدف منتجًا تجاريًا مباشرًا، بل تسعى لفهم الطبيعة العميقة للمادة والتفاعلات الكيميائية. ورغم أن هذا النوع من الدراسات يبدو أحيانًا بعيدًا عن الحياة اليومية، إلا أن التاريخ العلمي يُظهر أن كثيرًا من التقنيات الحديثة بدأت أصلًا من أبحاث أساسية مشابهة داخل المختبرات الأكاديمية.

فالبطاريات الحديثة، والمواد فائقة التوصيل، وحتى كثير من الأدوية المتقدمة، كانت في بداياتها مجرد أسئلة علمية نظرية حول كيفية تصرف الذرات والجزيئات تحت ظروف معينة. ولهذا ينظر المجتمع العلمي إلى مثل هذه الاكتشافات باعتبارها “بذورًا” قد تتحول مستقبلًا إلى تطبيقات تغير شكل الصناعة والطاقة والطب.

كما تكشف هذه الدراسة جانبًا مهمًا من طبيعة البحث العلمي الحديث، وهو أن التقدم لا يحدث دائمًا عبر الاكتشافات الضخمة الظاهرة للجمهور، بل أحيانًا عبر فهم جزيء صغير للغاية لا يتجاوز حجمه بضعة أنغسترومات، لكنه يحمل في داخله مفاتيح لتفاعلات جديدة بالكامل.

وفي عالم يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالطاقة والبيئة والتغير المناخي، تبدو مثل هذه الأبحاث تذكيرًا بأهمية الاستثمار طويل المدى في العلوم الأساسية، حتى عندما لا تكون نتائجها الفورية واضحة. فالعلم، في كثير من الأحيان، يبدأ من محاولة فهم ما كان يُعتقد يومًا أنه “مستحيل”.


تواصل مع الكاتب: mohamedmouradgamal@gmail.com

مشاركة: تحميل PDF
530 مشاهدة · 2 تحميل