◀ المقال 5 من 5 والأخير
شهدت المقالات الأربع السابقة اشتغالاً منهجياً على أدوات إنتاج الفعل العلمي: صياغة السؤال، وتفعيل مناطق التماس بين التخصصات، والتحوّل من موقع التلقّي إلى موقع الإسهام. غير أنّ هذه الأدوات، على أهميتها، تظلّ مشروطةً بإطارٍ ناظمٍ يضمن فاعليتها واستمراريتها. ذلك الإطار هو ما نُسمِّيه هنا «النسق».
يُحيل مفهوم النسق، كما يطرحه محمد الخمسي، إلى البنية العميقة التي تنتظم داخلها الطاقات المعرفية، بحيث تتحوّل من إمكاناتٍ متفرّقة إلى قدرةٍ إنتاجيةٍ متراكمة. فالخلل، في هذا التصوّر، لا يكمن في نقص الموارد البشرية أو الفكرية، بل في غياب آلية الانتظام التي تُحوِّل هذه الموارد إلى أثرٍ تاريخيٍّ مستمر.
ضمن هذا الإطار، ينهض النسق على ركيزتين متلازمتين: التراكم والاحتشاد، بوصفهما شرطين بنيويين لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يستغني عنهما.
أولاً: التراكم بوصفه شرط الاستمرارية المعرفية
يُعدّ غياب التراكم أحد أبرز معوّقات الإنتاج العلمي في السياقات العربية المعاصرة. ويتمثّل ذلك في انقطاع السلاسل المعرفية، حيث تُستأنف البدايات مراراً دون استثمارٍ فعليٍّ لما أُنجز سابقاً. هذه الظاهرة لا تعبّر عن خللٍ إداري فحسب، بل عن غياب «العقل التراكمي» الذي يُدرك المعرفة بوصفها سيرورةً ممتدة، لا لحظاتٍ منفصلة.
في هذا السياق، يكتسب مثال الدكتور مصطفى مشرّفة دلالته التحليلية، لا بوصفه حالةً فردية، بل بوصفه مؤشّراً على فشل تحويل الإنجاز الفردي إلى تقليدٍ مؤسسي. فالمجتمعات العلمية الراسخة لا تُنتج أفراداً لامعين فحسب، بل تُحوِّل إنجازاتهم إلى مدارس معرفية، عبر آلياتٍ واضحة: التوثيق، والتدريس، والتطوير، وإعادة الإنتاج.
من هنا، يمكن تفكيك مفهوم التراكم إلى ثلاثة مستويات مترابطة:
1- المستوى المعرفي: استيعاب الإنتاج السابق ونقده والبناء عليه.
2- المستوى المؤسسي: تحويل المبادرات الفردية إلى هياكل دائمة.
3- المستوى الذاكري: إنشاء ذاكرةٍ علميةٍ حيّة تحفظ الخبرات وتُعيد توظيفها.
وبهذا المعنى، فإن التراكم ليس مجرد إضافةٍ كمية، بل هو تحوّلٌ نوعي في بنية المعرفة، حيث يصبح كل إنجازٍ شرطاً لإمكان ما يليه.
ثانياً: الاحتشاد بوصفه شرط الفاعلية الجماعية
إذا كان التراكم يؤمّن الاستمرارية، فإن الاحتشاد يؤمّن الفاعلية. غير أنّ هذا المفهوم يقتضي تمييزاً دقيقاً بين نمطين متباينين:
الاحتشاد الوهمي: وهو نمطٌ خطابيّ يقوم على تعظيم الشعارات دون امتلاك شروط تحقيقها، ما يؤدي إلى استنزاف الطاقات في مشاريع غير قابلة للتنفيذ.
الاحتشاد العقلاني: وهو نمطٌ استراتيجيّ يقوم على تحديد الأولويات ضمن أفق الإمكان، وتوجيه الموارد نحو أهدافٍ قابلة للتحقق، دون التفريط في الأفق الطموح.
هذا التمييز يعكس انتقالاً من «الوعي الرغبوي» إلى «الوعي الاستراتيجي»، حيث لا تُقاس قيمة المشروع بحجمه الخطابي، بل بقدرته على إعادة تنظيم الواقع وفق شروطٍ محددة.
وتُظهر التجارب التاريخية "كالتجربة الصينية أو الألمانية بعد الحرب" أن التحوّلات الكبرى لم تكن نتاج وفرة الموارد، بل نتيجة احتشادٍ واعٍ حول أولويات محدودة وحاسمة. ومن ثمّ، فإن الاحتشاد العقلاني لا يُقلّص الطموح، بل يُعيد ضبطه ضمن مسارٍ قابلٍ للتحقّق.
ثالثاً: النسق بوصفه تكاملاً بنيوياً
حين يتقاطع التراكم مع الاحتشاد، يتشكّل النسق بوصفه حالةً من التكامل البنيوي، حيث تعمل العناصر المختلفة ضمن منظومةٍ واحدة. في هذا المستوى، لا يعود الإنتاج العلمي فعلاً فردياً، بل يصبح جزءاً من شبكةٍ مترابطة، تتوزّع فيها الأدوار وتتكامل الوظائف.
النسق، بهذا المعنى، ليس مجرد تنظيمٍ إداري، بل هو ثقافة معرفية تتجلّى في وعي الفاعلين بموقعهم داخل سلسلةٍ ممتدة. فالباحث لا يعمل بمعزل عن غيره، بل ضمن أفقٍ تاريخيٍّ يربط الماضي بالمستقبل، والمؤسسة لا تبدأ من فراغ، بل تُعيد توظيف ما سبقها وتُمهّد لما يليها.
وفي غياب هذا النسق، تظهر ثلاث نتائج بنيوية:
- انطفاء الكفاءات لغياب البيئة الحاضنة.
- انقطاع التجارب لغياب آليات النقل والتطوير.
- تحوّل الأفكار إلى خطابٍ غير مُنتج لغياب شروط التفعيل.
أما في حضوره، فتتحوّل المبادرات الفردية إلى دينامية مستمرة، حيث يُعاد إنتاج المعرفة وتوسيعها ضمن إطارٍ متكامل.
خاتمة: نحو إعادة بناء الفعل العلمي
تكشف هذه القراءة أنّ النهضة العلمية لا تتأسس على وفرة الأفكار أو الطاقات، بل على قدرتها على الانتظام ضمن نسقٍ يجمع بين التراكم والاحتشاد. وبهذا المعنى، فإن التحدّي المركزي ليس في «إنتاج المعرفة» فحسب، بل في إعادة تنظيم شروط إنتاجها.
ضمن هذا الأفق، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف دور المؤسسات العلمية بوصفها حواضن للنسق، لا مجرد منصّات للنشاط. فالمؤسسة الفاعلة هي التي تُحوِّل الجهود الفردية إلى مسارٍ جماعيّ، وتربط الإنتاج المعرفي بالرهانات المجتمعية، ضمن رؤيةٍ تستمدّ مشروعيتها من الداخل.
إنّ الانتقال إلى هذا المستوى لا يتطلّب انتظار شروطٍ مثالية، بل يبدأ بإعادة توجيه الممارسة العلمية ذاتها: من العمل المنفصل إلى العمل المنتظم، ومن المبادرة المؤقتة إلى البناء التراكمي، ومن الطموح المجرد إلى الفعل الممكن.
وعند هذه النقطة تحديداً، يتحوّل السؤال العلمي من كونه أداةً للفهم إلى كونه مدخلاً لإعادة تشكيل الواقع.
───────────────
◀ المقال الأول: الرياضيات ممرُّ الملوك
◀ المقال الثاني: مجتمعات الأجوبة ومجتمعات الأسئلة
◀ المقال الثالث: مناطق التماس .. حيث يُولد الإبداع
◀ المقال الرابع: من المصب إلى المنبع
───────────────
مصدر هذهِ السلسلة: مستوحى من بودكاست مجتمع Mujtama
حوار مع الدكتور محمد الخمسي | youtu.be/hA5Q9cgzUvo
.
تواصل مع الكاتب: info@arsco.org