منظمة المجتمع العلمي العربي
العودة للإصدارات

الذكاء الاصطناعي يكشف عن أسرار خفية في الحالة الرابعة للمادة

بمشاركة باحث عربيٍّ

عبد الحكيم محمود · صحفي علمي
2026-05-20
الذكاء الاصطناعي يكشف عن أسرار خفية في الحالة الرابعة للمادة

خطا الفيزيائيُّون خطوةً بارزةً نحو توظيف الذَّكاء الاصطناعيِّ ليس أداةً للتَّحليل وحسب، بل شريكاً حقيقيًّا في اكتشاف قوانين جديدة في الطَّبيعة. فقد تمكَّن فريقٌ بحثيٌّ من جامعة إيموري بولاية جورجيا الأمريكيَّة من الكشف عن قواعد مفاجئة كانت خفيَّةً تحكم كيفيَّة تفاعل الجسيمات في البلازما (الحالة الرَّابعة للمادَّة)، وذلك بالاستعانة بتقنيَّات التَّعلُّم الآليِّ.

وقد نُشرت الدِّراسة في دوريَّة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) المرموقة، وكان من بين مؤلِّفيها باحثٌ عربيٌّ مصريٌّ.

الفريق البحثيُّ: أربعة علماء وقوَّة مشتركة

تألَّف الفريق من أربعة باحثين من قسم الفيزياء في جامعة إيموري: وِنتاو يُو، المؤلِّف الأوَّل وصاحب أسس المنهجيَّة التَّجريبيَّة؛ والباحث العربيُّ المصريُّ الدُّكتور إسلام عبدالعليم؛ والبروفيسور إليا نيمنمان، المتخصِّص في الفيزياء النَّظريَّة وعلوم الأحياء معاً؛ والبروفيسور جاستن بيرتون، أستاذ الفيزياء التَّجريبيَّة والمؤلِّف المراسل. وقد جمع هذا الفريقَ بين خبرات تكاملت لتُنتج منهجاً هجيناً غير مسبوق.

الذَّكاء الاصطناعيُّ لاكتشاف فيزياء جديدة

كان السُّؤال الجوهريُّ الَّذي انطلق منه الفريق: هل يستطيع الذَّكاء الاصطناعيُّ أن يتعلَّم فيزياءً جديدةً من التَّجارب الحقيقيَّة، لا أن يكتفي بتكرار ما هو معروف؟ يوضِّح البروفيسور جاستن بيرتون هذا التَّحدِّي في تصريح خاصٍّ لموقع منظَّمة المجتمع العلميِّ العربيِّ: "حين تكون البيانات محدودةً والإجابة مجهولةً، كيف نتأكَّد من صحَّة ما تعلَّمه الذَّكاء الاصطناعيُّ؟"

والإجابة الَّتي توصَّل إليها الفريق كانت في تصميم النَّهج ذاته. بدلاً من أن يُطلب من الذَّكاء الاصطناعيِّ التَّنبُّؤ بأماكن تحرُّك الجسيمات، وهي مهمَّةٌ يؤدِّيها بيُسر، طُلب منه أن يتعلَّم "لماذا" تتحرَّك. يقول بيرتون: "نستخدم قانون نيوتن الثَّاني ومفهوم القوى كإطار عمل، ثمَّ ندع الذَّكاء الاصطناعيَّ يكتشف الأجزاء المعقَّدة وغير المعروفة. هذا النَّهج الهجين أتاح لنا تعلُّم فيزياءٍ جديدةٍ ظلَّت عصيَّةً على الاكتشاف."

ما هي الحالة الرَّابعة للمادَّة؟

نعرف في حياتنا اليوميَّة ثلاث حالات للمادَّة: الصُّلبة والسَّائلة والغازيَّة. لكنَّ ثمَّة حالةً رابعةً أقلَّ شهرةً رغم أنَّها الأكثر وفرة في الكون بأسره، إنَّها البلازما. يوضِّح الدُّكتور إسلام عبدالعليم، الباحث العربيُّ المشارك في الدِّراسة: "تنشأ البلازما حين تُضاف طاقةٌ كافيةٌ إلى غاز فتُنتزع الإلكترونات من ذرَّاته، فيتكوَّن مزيجٌ من الإلكترونات الحرَّة ذات الشَّحنة السَّالبة والأيُّونات الموجبة. هذا المزيج المشحون هو البلازما، الَّتي تشكِّل نحو 99.9% من الكون المرئيِّ، من الرِّياح الشَّمسيَّة إلى ضربات البرق على الأرض."

أمَّا البلازما الغباريَّة، موضوع هذه الدِّراسة تحديداً، فتنشأ حين تُدخَل جسيماتٌ صلبةٌ دقيقةٌ داخل البلازما. وهي تظهر في مواضع متعدِّدة ومتباينة: من حلقات زُحَل إلى الغلاف الأيُّونيِّ للأرض، بل وأثناء حرائق الغابات حين يختلط السَّخام بالدُّخان. ويُعتقد أنَّ هذه الجسيمات المشحونة قادرةٌ على تعطيل الإشارات اللَّاسلكيَّة، مِمَّا يزيد صعوبة التَّواصل على رجال الإطفاء في الميدان. ويرى بعض الباحثين أنَّ بيئات البلازما الغباريَّة ربَّما لعبت دوراً في كيمياء نشأة الحياة على الأرض.

التَّجربة: كاميرا وليزر وخوارزميَّة

لإجراء التَّجربة، طوَّر الفريق طريقةً للتَّصوير المقطعيِّ تعتمد على تحريك شعاع ليزر عبر حجيرة تجريبيَّة، بتردُّد يبلغ 200 هيرتز، بينما كاميرا عالية السُّرعة تعمل بمعدَّل 8,000 إطار في الثَّانية ترصد المشهد كاملاً. تُدمج الصُّور بعدئذٍ لإعادة بناء مواقع الجسيمات في الفضاء ثلاثيِّ الأبعاد بمرور الوقت، ممَّا يمنح الباحثين تتبُّعاً دقيقاً لحركتها بدقَّة مكانيَّة تبلغ 50 ميكرومتراً لكلِّ بكسل.

يصف الدُّكتور إسلام عبدالعليم طبيعة تلك الجسيمات: "نستخدم خرزاتٍ بلاستيكيَّةً دقيقةً قطرها نحو 10 ميكرومترات، ما يعادل عُشر سُمك شعرة الإنسان تقريباً، معلَّقةً في حجيرة مفرَّغة مملوءة بالبلازما. تكتسب كلُّ جسيمة شحنةً كهربائيَّةً سالبةً تعادل نحو عشرة آلاف ضعف شحنة الإلكترون الواحد، فتتنافر تلك الجسيمات كما يتنافر قطبان متشابهان من مغناطيسَيْن."

لكنَّ المفارقة تكمن في أنَّ البلازما المحيطة ليست ساكنة؛ فثمَّة تيَّارٌ سريع من الأيُّونات الموجبة يتدفَّق حول كلِّ جسيمة بسرعة تتجاوز 2 كيلومتر في الثَّانية (سرعة بوهم)، فينحرف أثناء مروره مشكِّلاً منطقةً مركَّزةً من الشَّحنة الموجبة خلفها مباشرةً، ظاهرةٌ يسمِّيها الباحثون "أثر الأيُّونات"، تُشبه أثر قارب يشقُّ المياه. وهذا الأثر يُقلِّب كلَّ معادلات التَّفاعل بين الجسيمات؛ إذ يجعلها غير تبادليَّة، أي تُخالف قانون نيوتن الثَّالث، فقد يتنافر أحد الجسيمَيْن بينما ينجذب الآخر بفعل التَّفاعل ذاته.

وقد أجرى الفريق خمس تجارب مستقلَّة تفاوتت فيها أعداد الجسيمات بين 9 و18 جسيمة، وتحت ظروف مختلفة من الضُّغوط وخصائص البلازما. وقد وُضعت الجسيمات في مجال مغناطيسيٍّ خاصٍّ يخلق تدفُّقاً دوَّاميًّا يُبقيها في حركة دائمة وفوضويَّة، وهو ما يجعلها بياناتٍ خصبةً للتَّعلُّم الآليِّ.

ثلاث شبكات عصبيَّة تتعلَّم الفيزياء

صمَّم الفريق نموذجاً يتكوَّن من ثلاث شبكات عصبيَّة مستقلَّة تعمل معاً: الأولى تتعلَّم قوى التَّفاعل بين كلِّ زوج من الجسيمات، والثَّانية تتعلَّم القوى البيئيَّة (المجالات الكهربائيَّة المحلِّية) الَّتي تُحاصر كلَّ جسيمة، والثَّالثة تتعلَّم قوى الخمود النَّاتجة عن احتكاك الجسيمات بالغاز المحيط. وقد أُدرجت القيود الفيزيائيَّة المعروفة، كالتَّناظرات الهندسيَّة للقوى، في بنية النَّموذج ذاته، ليتعلَّم الذَّكاء الاصطناعيُّ الكمِّيَّات الفيزيائيَّة الفعليَّة لا مجرَّد أنماط إحصائيَّة.

يقول الدُّكتور إسلام عبدالعليم: "بتضمين هذه القيود الفيزيائيَّة، لم يتعلَّم النَّموذج التَّنبُّؤ بالمسارات فحسب، بل تعلَّم كمِّيَّاتٍ فيزيائيَّةً فعليَّةً كشحنة كلِّ جسيم ومدى تفاعلاته، وهو ما مكَّننا من مقارنتها مباشرةً بالنَّظريَّة الموجودة، وبذلك كشف النَّموذج عن مواطن القصور في تلك النَّظريَّات."

رؤى عالية الدِّقَّة وكشوف غير متوقَّعة

من أبرز ما أنجزه الفريق تحقيقُ دقَّة تتجاوز 99% في محاكاة حركة الجسيمات التَّجريبيَّة عبر التَّجارب الخمس جميعها. غير أنَّ الدِّقَّة الحسابيَّة وحدها لم تكن كافيةً؛ كان على الفريق التَّحقُّق من أنَّ الذَّكاء الاصطناعيَّ يتعلَّم كلَّ قوَّة على حدة بصورة صحيحة، لا مجرَّد مجموعها.

وقد استطاع النَّموذج استنتاج كتلة كلِّ جسيم بطريقتَيْن مستقلَّتَيْن تماماً، من قوى التَّفاعل، ومن معامل الخمود، فحين تطابقت النَّتيجتان، أكَّد ذلك أنَّ النَّموذج يتعلَّم الفيزياء الحقيقيَّة، لا مجرَّد تلاؤُم رياضيٍّ مع البيانات. ويقول البروفيسور بيرتون: "كانت تلك لحظةً حاسمةً للتَّحقُّق من صحَّة النَّتائج."

ومن الكشوف الأكثر إثارةً أنَّ النَّموذج أظهر أنَّ طول الفرز، المسافة الَّتي تمتدُّ إليها قوى التَّنافر بين الجسيمات، يتغيَّر بتغيُّر حجم الجسيمات، وهو أمرٌ تنفيه النَّظريَّة التَّقليديَّة تماماً، إذ تعتبره ثابتاً يعتمد فقط على خصائص البلازما المحيطة. وعلاوةً على ذلك، اكتشف الفريق أنَّ علاقة الشَّحنة بكتلة الجسيمات تنحرف انحرافاً كبيراً عمَّا تتنبَّأ به النَّظريَّة المعياريَّة المعروفة بـ"نظريَّة الحركة المداريَّة المحدودة" (OML)، وأنَّ هذا الانحراف يزداد بزيادة ضغط الغاز الخامل في الحجيرة.

يلخِّص البروفيسور بيرتون أبرز ما أنجزته الدِّراسة: "توصَّلنا لأوَّل مرَّة إلى قانون قوَّة التَّفاعل الكامل بين الجسيمات، وهو أمرٌ لم يُقَس مباشرةً من قبل ولا يوجد له حلٌّ مغلق. وكشفنا عن سلوك غير متوقَّع في كيفيَّة تغيُّر شحنة الجسيمات مع حجمها، مِمَّا يشير إلى أنَّ نظريَّة الشَّحن الحاليَّة قد تحتاج إلى مراجعة جوهريَّة."

إشكاليَّة الثِّقة في الذَّكاء الاصطناعيِّ العلميِّ

والأهمُّ من ذلك كلِّه أنَّ هذا العمل يعالج إشكاليَّةً جوهريَّةً في توظيف الذَّكاء الاصطناعيِّ في العلوم: إشكاليَّة الثِّقة. في البحوث الرَّائدة لا تكون الإجابة معروفةً مسبقاً، ومن ثمَّ لا يكفي أن يقول النَّموذج "لقد تعلَّمت" دون أن يقدِّم ما يُثبت ذلك بصورة مستقلَّة. وقد ابتكر الفريق أساليب تحقُّق مزدوجة من صحَّة ما يتعلَّمه النَّموذج من البيانات التَّجريبيَّة الحقيقيَّة، عبر المقارنة مع النَّظريَّة الرَّاسخة وفحوص الاتِّساق الدَّاخليِّ، وهذا ما يجعل هذا المنهج موثوقاً لا مجرَّد ذكيٍّ.

نهجٌ عالميٌّ يتجاوز حدود التَّخصُّص

ما يميِّز هذا المنهج البحثيَّ أنَّه لا يقتصر على فيزياء البلازما. يوضِّح البروفيسور بيرتون: "المهمُّ هو بناء النَّموذج بما يتوافق مع قوانين الفيزياء المعروفة في أيِّ نظام ندرسه، ثمَّ ترك الذَّكاء الاصطناعيِّ يكتشف المكوِّنات الأخرى. هذا ما يجعل المنهج عالميًّا حقًّا، وهو مفيدٌ للغاية في الأنظمة المعقَّدة متعدِّدة الأجسام، بدءاً من التَّفاعلات دون الخلويَّة وصولاً إلى مجموعات الحيوانات."

ويرى بيرتون أنَّ علم الفيزياء الحيويَّة هو المجال الأكثر استعداداً لاستيعاب هذا النَّهج، إذ تُبدي الأنظمة الحيَّة على كلِّ مستوياتها، من الخلايا إلى الكائنات الحيَّة، تفاعلاتٍ غير تبادليَّة بالغة التَّعقيد، تعجز عنها النَّماذج النَّظريَّة التَّقليديَّة. وقد أودع الفريق البياناتِ التَّجريبيَّةَ كاملةً والكود البرمجيَّ لنموذجهم على منصَّة GitHub للاستخدام العامِّ والبناء عليه.


تواصل مع الكاتب: abdulhakimkaid8@gmail.com

مشاركة: تحميل PDF
192 مشاهدة · 4 تحميل